الجصاص

224

الفصول في الأصول

علينا فعله . والكلام في الدلالة على أنه فعل ذلك على جهة الوجوب - خروج عن المسألة . ومن الدليل أن ظاهر فعله لا يقتضي وجوب مثله علينا : أنه لا يصح تكليفنا عموم مثل أفعاله ، لأنا لا نقدر عليه ، ولا نتوصل إليه ، لأن من كان مخاطبا بذلك يحتاج إلى ملازمته ، وترك مفارقته ، فاستحال من أجل ذلك تكليفنا عموم أفعاله ، فلما استحال ذلك علمنا أن بعضها غير واجب ، فلو كان بعضه واجبا لاستحال أن يميز ما هو واجب منها مما ليس بواجب ، بدلالة غير الفعل ، فإذا لا يصح الاستدلال بظاهر فعله على وجوب فعل مثله علينا . فإن قيل : ما أنكرت أن يكون أفعاله واجبة علينا حتى تقوم الدلالة على أن شيئا منها غير واجب ، فيخرج على حد الوجوب بالدلالة الموجبة لذلك . قيل له : هذا خطأ ، لأن هذا إنما يسوغ أن يقال فيما يصح تكليف جميعه ، ثم يرد لفظ ( 1 ) يقتضي لزوم الجميع . فيقال : إن الجميع واجب ، إلا ما قام دليله ، فأما ما لا يصح تكليف جميعه - فغير جائز أن يقال : إن جميعه واجب ، إلا ما قام دليله ، وعلى أنك لم تعضد هذا القول بدليل . ولخصمك أن يقول : إن جميعه غير واجب ، حتى يقوم دليل على الوجوب . قال أبو بكر رحمه الله : قد دللنا على أن ظاهر قوله عليه السلام لا يقتضي وجوب مثله علينا . وندلل ( 2 ) الآن : على أنا متى وقفنا على حكم فعله : من إباحة ، أو ندب ، أو إيجاب ، فعلينا اتباعه ، والتأسي به فيه ، فنقول وبالله التوفيق : الدليل على ذلك : قوله تعالى : ( فاتبعوه ) ( 3 ) وقال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) ( 4 ) وقال تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) ( 5 ) والاتباع : أن يفعل مثل فعله ، وفي حكمه ، فإذا فعله واجبا ، فعلنا على الوجوب ، وإذا فعله ندبا ، أو مباحا ، فعلناه كذلك ، لنكون قد وفينا الاتباع حقه ، وفيما يقتضيه .